يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
239
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
التعصّب للقديم موجود في الآداب الأوروبية ، فقد كان هو راس الشاعر الروماني يرى أن شعراء اليونان هم النماذج التي يجب أن تدرس ليلا ونهارا ، فإن الشعر ينبغي أن ينظم كما كانوا ينظمونه . . . واعتذر الباقلاني عنهم بأنهم إنما كانوا يميلون إلى الذي يجمع الغريب والمعاني واعتذر ابن رشيق عنهم بحاجتهم إلى الشاهد والمثل وقلّة ثقافتهم بما يأتي به المولّدون . ولكن الجرجاني في الوساطة يذكر أن ذلك أثر لتعصّب علماء اللغة ورواتها للشعر القديم ؛ وإنكارهم لفضل المحدثين وشعرهم ( 94 و 50 وساطة ط بيروت ) . وطائفة أخرى من النقّاد حكّموا الذّوق الأدبي والطبع وحده في الشعر ؛ وحكموا أن الشاعر إما أن يكون من الجاهليين ، أو إسلاميّا أو محدّثا ، فلم يفضلوا الجاهليين لسبقهم في الزمن ولم يغضّوا من شأن المحدثين لتأخّر عصرهم . ومن هؤلاء : الجاحظ م 255 ه ، وابن قتيبة المتوفّى 276 ه ، والمبرد م 285 ه ، وابن المعتز م 296 ه . يقول ابن قتيبة في أول كتابه الشعر والشعراء : « ولا نظرت إلى المتقدم بعين الجلالة لتقدّمه ، ولا المتأخر بعين الاحتقار لتأخّره ، بل نظرت بعين العدل إلى الفريقين ، وأعطيت كلّا حقه ، ووفّرت عليه حظّه ، فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله ؛ ويضعه موضع متخيّره ويرذل الشعر الرصين ولا عيب عنده إلا أنه قيل في زمانه ، ورأى قائله ، ولم يقصر اللّه الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن ، ولا خصّ به قوما دون قوم . بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده وجعل كل قديم منهم حديثا في عصره ، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدّون محدثين ، وكان أبو عمرو يقول : لقد نبغ هذا المحدّث وحسن حتى لقد هممت بروايته ( 1 ) . وقال المبرد : ليس لقدم العهد يفضل القائل ، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب ، ولكن يعطي كلّا ما يستحقّه ( 2 ) . وأنكر ابن المعتز عصبية هؤلاء النقّاد للشعر القديم وذمّهم لشعر المحدثين ، وقال : إنها عيب قبيح ، ومن فعل ذلك فإنما غضّ من نفسه ، وجعل هذا ناشئا عن جهل بنقد الشعر وتمييزه ( 3 ) .
--> ( 1 ) ص 7 و 8 الشعر والشعراء . ( 2 ) ص 18 ج 1 كامل المبرد . ( 3 ) ص 175 و 176 أخبار أبي تمام للصولي .